الشيخ محمد رشيد رضا

138

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

قضايا جامعة في مسألة الرؤية ( 1 ) ان اثبات رؤية الرب تعالى في الدار الآخرة المخالفة لهذه الدار في شؤونها وشؤون أهلها وسنن اللّه تعالى فيهما بالقيود التي قيدها بها المثبتون لها من تنزيهه تعالى عن مشابهة خلقه - ليس من المحالات العقلية الثابتة بالضرورة والا لما وقع فيها خلاف البتة ، ولا بالبراهين العقلية التي تنتهي إلى الضرورة والا لارتفع الخلاف فيها بين حذاق الظار عند وصول البرهان إلى هذا الحد ، ولم يقع هذا ولا ذاك ( 2 ) ان الآيات القرآنية فيها ليست نصوصا قطعية الدلالة في الاثبات وحده ولا في النفي وحده ، والا لما وقع الخلاف فيها البتة ، وقد وقع هذا الخلاف فيها بين قليل من السلف وكثير من الخلف ، ففهم عائشة لآية الانعام ومجاهد لآية القيامة مخالف لرأي جمهور أهل السنة . - فعلم أنها غير قطعية الدلالة بحيث لا تحتمل الا أحد الوجهين ، فهي إذا ظنية والترجيح فيها بين ما ظاهره الاثبات وما ظاهره النفي محل الاجتهاد ، ولا شك في أن كلا من المتبتين والنفاه يعتقد صحة ترجيحه نظرا واستدلالا ، أو اتباعا وتقليدا . فالمسألة بينهما مشتركة الالزام ، فلا وجه لطعن أحد منهما في دين الآخر ولا في علمه بها ( 3 ) ان في الأحاديث الصحيحة من التصريح في اثبات الرؤية ما لا يمكن المراء فيه ولكن المراد من هذه الرؤية غير قطعي ، وفيها ما قد يدل على عدم الرؤية ، فيأتي فيها الخلاف بين السلف والخلف حتى من المنسوبين منهم إلى السنة كالاشعرية بين النفويض والتأويل ، لأنها بحسب اصطلاحهم من النصوص الموهمه للتشبيه ، وقد قال صاحب جوهره التوحيد من الأشعرية : وكل نص أوهم التشبيها * أوّله أو فوّض ورم تنزيها ( 4 ) ان جمهور السلف والحنابلة وأكثر أهل الحديث يفوضون في جملة النصوص الواردة في صفات اللّه تعالي وشؤونه وأفعاله بمعنى انهم يمرونها كما جاءت من غير تحكم في تأويل يخرجها عن ظواهر معانيها وينزهونه سبحانه عن مشابهة خلقه فيما أطلق عليهم من مثل تلك الالفاظ الدالة على تلك الصفات والشؤون والافعال ، وان جمهور الخلف من سائر الفرق يتأولون ما عدا صفات المعاني كالعلم والقدرة والإرادة حتى الأشعرية من أهل السنة وانما تراهم أقرب إلى السلف في المسائل الكبري التي اختلفوا فيها مع المعتزلة كالكلام